سليمان الدخيل
54
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
يتناقسان حول الأستئثار بالسلطة والنفوذ في حاضرة الخلافة ، وكان لا بد للخلفاء من حفظ التوازن بين الفريقين حتى لا يطغى فريق على فريق . ونلاحظ في دراستنا لهذا الموضوع أن الخلفاء استعانوا بالفرس كما أستعانوا بالعرب ، وحينما طغى نفوذ الفرس ، نكلوا بهم وأبعدوهم ، واستعانوا بالعرب ، ومكنوا لهم ، وأدى ذلك إلى الصراع مرير بين العنصرين استمر حتى خلافة المعتصم . حرص الخليفة المنصور على عدم التمكين لأحد العنصرين - العرب والفرس - من ازدياد نفوذه على حساب العنصر الآخر ، فكان للخليفة قواد وولاة من العرب ، وقواد وولاة من الفرس ، وكون جيشه من مضر واليمن وربيعة والخراسانية « 1 » ، وكما استوزر المنصور أبا يعقوب الموريانى - وهو فارسي - فقد استوزر الربيع بن يونس - العربي الأصل - وكان جليلا منفذا للأمور فصيحا حازما ، أصطحب المنصور في رحلته الأخيرة إلى مكة المكرمة وأوصاه المنصور قبل موته . وأخذ البيعة لخليفته المهدى ، ولعيسى بن موسى من بعده ، ولما فرغ من بيعة بني هاشم ، دعا بالقواد فبايعوا ، وبلغ من حرص المنصور على حفظ التوازن بين عنصرى السكان في بغداد أنه لما شرع في تأسيس بغداد قسمها - كما قلنا - أربعة أرباض وعهد إلى أربع من كبار رجال دولته بالإشراف على عمارة هذه الإرباض فكما جعل ربضا يشرف على تأسيسه الربيع بن يونس ، عهد إلى أبى يعقوب الموريانى - وزيره الفارسي - بالإشراف على أحد الأرباض « 2 » . سار المهدى على سياسة أبيه في حفظ التوازن بين عنصرى السكان في بغداد ، فأسند حجابته إلى الربيع بن يونس ، وأختص به كما كان مع أبيه « 3 » ، وأستوزر أبا عبيد اللّه بن معاوية بن يسار مولى الأشعريين وفوض إليه تدبير مملكته فعهد إليه بالإشراف على الدواوين ، وتنظيم أمر الخراج ، وصنف في الخراج كتابا ذكر فيه أحكامه الشرعية ، ودقائقه وقواعده ، وحرص هذا الوزير العربي على إبعاد الفرس عن المهدى ، حتى يصفو الأمر للعرب ذون سواهم ، فلما رأى تقرب
--> ( 1 ) الطبري : تاريخ الأمم والملوك حوادث سنة 151 ه . ( 2 ) ابن طباطبا : الفخري في الآداب السلطانية ص 160 . ( 3 ) الجهشيارى : الوزراء والكتاب ص 100 .